Governance

إرساء ثقافة الحوكمة المؤسسية الجيدة في الشركات الناشئة

في ظل ما أطلقت عليه صحيفة ذا إيكونومست “The Economist” اسم "ربيع الشركات الناشئة"، تشهد منطقتنا حالياً ازدهاراً في إنشاء المشاريع الصغيرة والمتوسطة مع وجود 19 مليون مشروع متناهي الصغر وصغير ومتوسط في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا.

على الرغم من أهميتها الاقتصادية، عادة ما يتم إغفال أهمية الحوكمة المؤسسية في المشاريع الصغيرة، حيث أن اهتمام الأعمال ينصب في البداية على تحقيق النمو مع إرجاء التفكير في الحوكمة لما بعد. إن الشركات الناشئة والمشاريع المتوسطة والصغيرة تواجه نفس المخاطر المرتبطة بالحوكمة مثل الاحتيال والفساد مثلها في ذلك مثل أي أعمال أخرى بغض النظر عن الحجم، بل قد تكون في مواقف معينة أكثر عرضة للسلوك غير الأخلاقي بالنظر إلى الجهود المتسارعة التي تبذل من أجل تحقيق مركز تنافسي.

سواء كان عدد موظفي شركتك لا يتجاوز خمسة موظفين يعملون في الهيكل المبدئي للأعمال داخل الإمارات العربية المتحدة أو كان لديك أكثر من خمسة آلاف موظف منتشرون في مختلف أنحاء العالم، فإن ترسيخ الحوكمة المؤسسية الجيدة أولاً يجعل شركتك تتمتع ببعض المرونة في مواجهة المخاطر، وثانياً يساعدك على اتخاذ قرارات استراتيجية أفضل وتحقيق النمو بصورة أسرع. فضلاً عن ذلك، قد تساعد الحوكمة المؤسسية في جعل أعمالك أكثر فعالية وكفاءة ومرونة.

يعود تطبيق عمليات الحوكمة الجيدة بفائدة كبيرة على الشركات الناشئة، الأمر الذي سيمكنها من بناء الثقة مع أصحاب المصلحة. طبقاً لشركة إديلمان، والتي تنشر تقريراً سنوياً تحت عنوان “بارومتر الثقة”، يمكن لوجود الثقة أن يساعد الأعمال بدرجة كبيرة في بناء علاقات أفضل مع موظفيها، والقدرة على مواجهة فترات عدم التيقن من أحوال السوق، وإيجاد درجة أكبر من الولاء من قبل عملائها.

ثمة عدد من الخطوات البسيطة التي يمكن لقادة الشركات الناشئة اتباعها من أجل حماية وتعزيز نماذج أعمالهم:

1. تشكيل حلقة استشارية

يتعين عليك التفكير في تأسيس مجلس استشاري غير رسمي حتى وإن كانت شركتك لازالت ناشئة. فعلى النقيض من مجلس الإدارة الاعتيادي، يعد المجلس الاستشاري حلقة أصغر من المستشارين يمكنك العودة إليهم بالأفكار الجديدة وطلب التوجيه والإرشاد منهم. وبصرف النظر عن أن هذا المجلس ليس له صلاحيات قانونية، فإن تشكيل مجلس غير رسمي يعد طريقة مفيدة لوضع خططك الاستراتيجية وعمليات اتخاذ القرار في إطار ملائم.

2. عرض قيم أعمالك والغرض منها بوضوح

إن تحديد النوع الذي تود أن تندرج أعمالك ضمنه والغرض الذي تهدف إلى تحقيقه لا يعد سابقاً لأوانه. ومن أجل تحقيق ذلك عليك توثيق القيم والمبادئ التي تود أن تعمل وفقا لها، والسبب في وضعك لهذه المبادئ (أي الغرض منها). ومن هنا يمكنك استخلاص وتشكيل “رؤية” شركتك و”مدونة القواعد الأخلاقية” بحيث تعرض أهدافك والمبادئ الأخلاقية التي تسعى للالتزام بها. سوف يساعدك ذلك على جذب النوع الصحيح من الأشخاص للانضمام لمؤسستك، كما سيؤثر على القرارات الاستراتيجية ويرسل رسالة واضحة لأصحاب المصلحة حول المبادئ التي تلتزم بها، الأمر الذي يؤدي إلى بناء الثقة.

3. كن مثالاً يحتذى به

من منطلق موقعه على رأس أي شركة ناشئة، يتعين على الرئيس التنفيذي إيجاد طرق لإظهار تطبيقه والتزامه بالقيم الخاصة بالمؤسسة. قد يكون ذلك في بساطة الإفادة بالتصريحات خلال الاجتماعات، وسيؤدي إلى تعزيز أهمية المؤسسة أو إقصاء فرص الأعمال التي لا تتماشى مع معاييرها الأخلاقية. ما يهم هو أن توضح – على الصعيدين الداخلي والخارجي- أن القيم التي تم وضعها هي قيم حقيقية وليست مجرد أقوال.

4. تعلم من الآخرين

تتمتع الشركات الناشئة بميزة تتمثل في أن العديد من الشركات خاضت هذه التجربة قبلها. لذا، تتوفر المعلومات التي من شأنها أن تساعد المشاريع الجديدة على وضع أطر الحوكمة المؤسسية الخاصة بها. أجرت مبادرة بيرل أبحاثاً وأصدرت ونشرت دراسات حالة حول ممارسات الحوكمة المؤسسية الجيدة في مختلف دول المنطقة. كما نشرت “مؤسسة محمد بن راشد لتنمية المشاريع الصغيرة والمتوسطة” و”مؤسسة حوكمة” دليل شامل تحت عنوان “مدونة الحوكمة المؤسسية للمشاريع الصغيرة والمتوسطة” والمتوفرة أيضاً على الإنترنت. يمكنك الاستفادة من تلك الموارد لإيجاد أفكار ذات صلة بأعمالك.

يفترض الكثيرون أن الحوكمة المؤسسية مخصصة بصورة أساسية للشركات الكبيرة. قد يكون ذلك مفهوماً من الناحية التنظيمية، حيث إن الشركات الكبيرة أكثر عرضة للمخاطر التنظيمية وما قد ينتج عنها من تدمير للقيمة الاقتصادية نتيجة للإخفاق في تطبيق الحوكمة. ومع ذلك، فإن المخاطر تمثل جانب واحد فقط من المعادلة. إن حالة الأعمال الواضحة تشير إلى أن الحوكمة المؤسسية الجيدة تعد من الأمور الأساسية لمساعدة الشركات الصغيرة على النمو بصورة أسرع وأكثر قوة وثباتاً، الأمر الذي يساعد على إيجاد الوظائف التي تعد منطقتنا في أمس الحاجة إليها. يشير ذلك إلى أننا جميعا لنا مصلحة في ضمان أن يكون لدى المشاريع والشركات الناشئة المعرفة والرغبة في تطبيق الإجراءات التنظيمية.

من هذا المنطلق، فإن رسالتي إلى زملائي من رواد الأعمال هي: لن يكون الأمر بالسهولة التي هو عليها الآن فيما يتعلق بترسيخ ثقافة الشفافية والمساءلة في شركاتكم الناشئة. إن تطبيق ذلك من البداية أسهل بكثير من محاولة تغيير الوضع عندما يخرج عن السيطرة. إن هذا هو الوقت الملائم لوضع النظام الصحيح لمؤسستكم من خلال وضع إطار حوكمة مؤسسية فعال من شأنه أن يعود على أعمالكم وعلى أصحاب المصلحة بمنافع ملموسة.

بدر جعفر هو مؤسس مبادرة بيرل والرئيس التنفيذي لشركة الهلال للمشاريع

كما هو منشور على موقع الاقتصادي بتاريخ 17 ديسمبر 2014

اكتب تعليق

لن يتم إظهار عنوان البريد الإلكتروني الخاص بك. يجب تعبئة الخانات التي بجانبها علامة نجمة*

Your email address will not be published. Required fields are marked *