SUSTAINABILITY

الطريق الأكثر ثباتاً نحو تحقيق الاستدامة

يشهد عالمنا، بما فيه المنطقة التي نعيش بها، تحولاً مثيراً مع الزيادة التدريجية في الوعي بأهمية المسؤولية المؤسسية، الأمر الذي يؤثر بدوره على الطريقة التي ننتهجها في ممارسة أعمالنا. وفيما يعد ذلك أمراً جيداً – بالنسبة للشركات، والاقتصاد والمجتمع على حد سواء- فإن الفرصة سانحة أمام المؤسسات والشركات من أجل تبني مفهوم المساءلة المؤسسية وجني ثمارها وخلق القيمة التي سوف يعود بها هذا المفهوم على الشركات والمؤسسات وأصحاب المصلحة لديها

يشهد عالمنا، بما فيه المنطقة التي نعيش بها، تحولاً مثيراً مع الزيادة التدريجية في الوعي بأهمية المسؤولية المؤسسية، الأمر الذي يؤثر بدوره على الطريقة التي ننتهجها في ممارسة أعمالنا. وفيما يعد ذلك أمراً جيداً – بالنسبة للشركات، والاقتصاد والمجتمع على حد سواء- فإن الفرصة سانحة أمام المؤسسات والشركات من أجل تبني مفهوم المساءلة المؤسسية وجني ثمارها وخلق القيمة التي سوف يعود بها هذا المفهوم على الشركات والمؤسسات وأصحاب المصلحة لديها.

فما المقصود بالمساءلة المؤسسية؟ قد يختلط مفهوم المساءلة المؤسسية بمفهوم المسؤولية المؤسسية أو المسؤولية الاجتماعية المؤسسية إلا أنه ثمة اختلافات كبيرة بين المصطلحات الثلاثة، بيد أنها مكملة لبعضها البعض. إن المسؤولية المؤسسية تعكس الاعتقاد بأن الشركات تتحمل المسؤولية، أمام كافة أصحاب المصلحة، تجاه رفاهية موظفيها ومصالح حملة أسهمها وعملائها وعلى نطاق أوسع الأفراد والمجتمعات التي تتصل بها. أما بالنسبة للمسؤولية الاجتماعية المؤسسية فإنها تتمثل في اتخاذ خطوات فعالة لتعزيز التأثير الإيجابي للشركة على الرفاه الاجتماعي والبيئي وترتبط بقوانين ذات صلة تتجاوز المتطلبات التنظيمية.

أما مفهوم المساءلة المؤسسية فيستخدم لوصف التزام الشركة بأن تطبق مبدأ الشفافية في طريقة إعداد التقارير وتحملها المعلن لمسؤولية أنشطتها بما في ذلك الأداء المالي والاجتماعي والثقافي والبيئي – والتي تعد جميعها مؤشرات لاستدامتها بصفة عامة. ينطبق ذلك على كافة الشركات بغض النظر عن حجمها. في واقع الأمر، يقال أن المشاريع الصغيرة قد تكون الأكثر استفادة من تطبيق مبادئ المساءلة المؤسسية حيث سيعمل ذلك على زيادة جاذبيتها بالنسبة للمستثمرين والموظفين والشركاء والعملاء، الأمر الذي سيساعدها في النمو بصورة أسرع وأكثر ثباتاً.

تعد المساءلة المؤسسية أفضل وسيلة لبناء الثقة. فعلى عكس السمعة التي تبنى على الخبرات التراكمية السابقة، فإن الثقة هي توجه مستقبلي لتوقعات أصحاب المصلحة. ولم يعد بناء الثقة مع أصحاب المصلحة مجرد شيء كمالي ولكنه أصبح من الأمور التي لا غنى عنها بالنسبة للأعمال التي تهدف إلى تحقيق نجاح مستدام. وكما قال لاري لايت، الرئيس التنفيذي لشركة “أركيتشر” والمتخصصة في إيجاد وبناء وإدارة العلامات التجارية: “إن الثقة هي المحرك الأساسي لتحقيق هوامش الربح وتحديد أسعار الأسهم. إنها تمثل العامل الذي يبحث عنه العملاء وما ينشرونه بين بعضهم البعض.”

من هذا المنطلق، تمثل الثقة، وبالتالي مستويات المساءلة والشفافية التي تنشئ تلك الثقة، أحد العوامل الرئيسية في إحداث تغيير إيجابي على مختلف المستويات. فداخل الشركة، تتمكن من بناء ثقة الموظفين في الإدارة العليا. وبمرور الوقت، سوف تعمل مكانة الشركة في المجتمع كشركة موثوق بها على أن تحوز على اختيار الموظفين، الأمر الذي يعد على درجة كبيرة من الأهمية لا سيما عند تشجيع المواطنين الشباب من مختلف أنحاء منطقة الخليج على الانضمام إلى القطاع الخاص. وبالمثل، سوف تحظى الشركة بتقدير أصحاب المصلحة ومن بينهم الشركاء والموردين والعملاء، كعلامة تجارية موثوقة ومفضلة كما سيزيد ذلك من فرصة أن تكون الشركة محل توصيتهم لأصدقائهم وأقاربهم.

ومع اقتراب معرض إكسبو 2020 في الإمارات العربية المتحدة، فإن الدولة تسعى لتعزيز تطبيق درجة أعلى من الشفافية والمساءلة بين الشركات العاملة هنا، وثمة العديد من الفوائد الكبيرة لذلك التوجه منها:

أولا: من خلال ترسيخ التصور حول دولة الإمارات بأنها المكان الذي يمتاز بالمثل الأخلاقية والشفافية الملائمة لممارسة الأعمال، فإننا نضع نواة للاستثمارات الأجنبية. وسوف تتشكل لدى الأعمال الدولية نزعة أكبر نحو دخول السوق سواء عن طريق تأسيس قواعد محلية أو الاستثمار أو عقد شراكات مع أعمال محلية قائمة. فضلا عن ذلك، فمع وجود مستويات أعلى من الثقة وما يتبع ذلك من انخفاض في المخاطر المحتملة، لن يتوقع المستثمرون الأجانب أو يتطلبون الحصول على عوائد مبالغ فيها على استثماراتهم. وبطبيعة الحال، سوف يعمل ذلك على دفع الاقتصاد وتعزيزه كما سيؤدي إلى استحداث عوائد متزايدة من التعهدات الضخمة التي يمثلها معرض إكسبو 2020.

ثانياً، سوف يعمل الاقتصاد الأكثر حيوية على تشجيع المزيد من رواد الأعمال على اتخاذ القرار وبدء مشاريع جديدة. وكما هو معروف على نطاق واسع، فإن ترسيخ ثقافة ريادة الأعمال يعد أحد العوامل الرئيسية لتعزيز الابتكار والنمو القومي المستدام.

يقودنا ذلك إلى النقطة الثالثة والتي قد تعود بأكبر فائدة: إن الاقتصاد المزدهر الذي يحظى بدعم أعمال ذات حوكمة جيدة يؤدي إلى إيجاد فرص العمل والتي نحن في حاجة ماسة إليها. وفقاً لتوقعات صندوق النقد الدولي، سوف تشهد القوى العاملة في دول مجلس التعاون الخليجي زيادة بنسبة 4% سنوياً في المستقبل القريب، الأمر الذي يشير إلى أنه بحلول عام 2018 سوف نحتاج إلى إيجاد 1.6 مليون وظيفة لمواطني دول مجلس التعاون الذين سيلتحقون بسوق العمل.

ثمة عدد من المعايير التي يمكن من خلالها قياس مدى الالتزام بمبدأ المساءلة، وتمثل تلك المعايير نقطة الانطلاق الأساسية بالنسبة للشركات للتقدم في هذا الاتجاه. ومع ذلك، فإننا نحتاج إلى عدد من الإرشادات والمعايير المصممة خصيصاً لتلائم المتطلبات الخاصة بمجتمعاتنا المحلية. سوف يكون هذا الموضوع هو أساس النقاشات التي ستدور خلال المنتدى الإقليمي لمبادرة بيرل والاتفاق العالمي للأمم المتحدة والمقرر عقده يوم 16 أبريل بحضور العديد من قادة الأعمال الدولية وممثلي منظمات الأمم المتحدة والحكومات والمجتمع المدني حول موضوع “قضايا المساءلة المؤسسية: نزاهة الأعمال وخلق القيمة لما بعد عام 2015.”

إن المساءلة المؤسسية في جوهرها تعد الطريق الأكثر أهمية من أجل تحقيق الاستدامة حيث تتغلب على كافة القيود التي تواجهها المسؤولية الاجتماعية المؤسسية والمسؤولية المؤسسية، ولكن ذلك لا يعني أنها تنفي أهميتهما. وسوف يعمل الجمع بين المبادئ الثلاثة بقيادة مبدأ المساءلة على إثبات، بما لا يدع مجالاً للشك، إنها الطريقة الأمثل لإحداث تأثير إيجابي مستدام في العالم الذي نحيا ونعمل به.

كما هو منشور على موقع الاقتصادي بتاريخ 22 أبريل 2015

اكتب تعليق

لن يتم إظهار عنوان البريد الإلكتروني الخاص بك. يجب تعبئة الخانات التي بجانبها علامة نجمة*

Your email address will not be published. Required fields are marked *