ENERGY

العالم في خمسين عام – نظرة على مستقبل الطاقة

يتغير عالم الطاقة بوتيرة متسارعة ومع هذا التغير تتوفر الكثير من الحلول وتنشأ العديد من المشاكل في ذات الوقت وبسرعة تفوق قدرتنا على حصرها. فالمواقف التي كنا نعدها منذ أعوام قليلة غير واردة بل وأحياناً مستحيلة، أصبحت هي واقعنا الحالي. على سبيل المثال، تطورت الولايات المتحدة الأمريكية من كونها واحدة من أكبر الدول المستوردة للطاقة إلى إحدى الدول الرائدة في تصدير الطاقة، بينما انتقل الشرق الأوسط من الوفرة في إنتاج الطاقة إلى مواجهة قصور في إمدادها.

وبالنظر إلى هذه التحولات السريعة وغير المتوقعة، قد يبدو التطلع إلى مستقبل عالم الطاقة أو محاولة توقع الشكل الذي سيصبح عليه خلال نصف قرن عمل لا يتسم بالحكمة، إلا أنه لايمكننا اتخاذ القرارات الصحيحةعلى المدى القريب إلا من خلال النظر إلى المدى البعيد.

هناك ثلاثة عوامل رئيسية تحدد عملية إمداد الطاقة واستهلاكها وهي: العوامل الديموغرافية والاقتصادية والتكنولوجية. وثمة أوجه شبه بين مستقبل هذه العوامل الثلاثة في بعض الخصائص الأساسية، الأمر الذي يمكننا من الاستعانة بها بشكل واقعي وعملي من أجل وضع حجر الأساس اللازم لتحديد المسار الذي سيتخذه نظام الطاقة في المستقبل.

تشير توقعات الأمم المتحدة إلى أن عدد سكان العالم سوف يزيد بدرجة كبيرة حيث سيصل إلى قرابة 10 مليار نسمة بحلول عام 2060، وحينها سوف يتوقف ذلك النمو تقريباً.
إن عملية اللحاق الاقتصادي التي تشهدها الدول النامية حالياً، والتي ستمكنها من رفع مستوى المعيشة بصورة سريعة إلى أن يقترب من مستويات الدول المتقدمة، من المرجح أن تتوقف عندما يتمتع العالم بأكمله بمزيد من الرفاهية. يتمثل المحرك الأساسي وراء ذلك في زيادة حجم الطبقة المتوسطة على مستوى العالم بحوالي مرتين ونصف عن نسبتها الحالية (نحو 29% من سكان العالم) بحلول عام 2030. وسوف يحدث ذلك التغير في حجم الطبقة المتوسطة ويعاد تشكيلها بشكل مبدئي في الدول ذات الاقتصادات الناشئة، ولكن يشترط لتسهيل ذلك التحول توفر الطاقة على نطاق واسع وبتكلفة ميسورة.

في أغلب الأحيان يتم إغفال الأثر اليومي الذي يحدثه التحول التكنولوجي نظراً لصعوبة إدراكه. بيد أنه يجب علينا عدم التقليل من شأن الأثر التراكمي الذي سيحدثه التطور التكنولوجي في الطاقة على المدى البعيد، ويجب وضعه على نفس الدرجة من الأهمية مثل تطور العوامل الديموغرافية والاقتصادية.

من أجل عرض مثال على الأثر التحولي الذي قد تحدثه التكنولوجيا في استخدام الطاقة، ينبغي مقارنة الاقتصاد الرقمي القائم اليوم بالاقتصاد الصناعي الراسخ على مدار القرن الماضي. لنأخذ على سبيل المثال شركة “Google” والتي تنتج قيمة اقتصادية مقابل كل وحدة طاقة مستهلكة تفوق المتوسط العالمي بنحو 20 ضعف علماً بأن لديها عدد من أكبر مزارع البيانات على مستوى العالم والتي يحتاج عمل كل منها إلى إمداد مستمر بالطاقة الكهربائية. ومن هذا المنطلق، يمكننا أن نتوقع أن تحقق الشعوب نفس مستوى المعيشة أو أعلى وأن تحقق الاقتصادات نتائج اقتصادية أفضل مقابل متطلبات طاقة أقل إذا تمكن العالم من التوجه نحو استخدام تكنولوجيا رقمية جديدة بصورة متزايدة.

وإذا ما جمعنا هذه العوامل معاً، يمكننا أن نضع توقعات موثوقة حول وضع الطاقة خلال العقود الخمسة المقبلة. تعد أوروبا واليابان حالياً من أفضل المناطق حول العالم من حيث فعالية الطاقة بمتوسط استهلاك يترواح بين 20 و25 برميل من النفط المكافئ للفرد سنوياً (إيطاليا حوالي 20، والدنمارك حوالي 22، والولايات المتحدة الأمريكية حوالي 52، والإمارات العربية المتحدة حوالي 75) . إذا تمكنا من تحسين هذه المعدلات باستخدام الوسائل التكنولوجية مع رفع درجة الفعالية إلى معدل معقول يبلغ 15 برميل للفرد سنوياً، وإذا ما تمكنت بقية دول العالم من مقاربة هذا المعدل خلال الخمسين عاماً المقبلة، قد يصل الطلب العالمي على الطاقة إلى حوالي 410 مليون برميل من النفط المكافئ يومياً. وسوف يمثل ذلك زيادة بنسبة 64% على الطلب العالمي الحالي على الطاقة والذي يبلغ حوالي 250 برميل من النفط المكافئ يومياً.

ومن ثم نجد أنه على الرغم من التقدم التكنولوجي، سوف يظل التحدي الضخم المتمثل في إمداد الطاقة قائماً بالنسبة لأغلب دول العالم التي تحتاج إلى رفع مستوى معيشتها ليواكب ما يعرف اليوم باسم مستوى معيشة “دول العالم المتقدمة”. يعد ذلك تحدٍ عالمي كبير يتعين على الأجيال القادمة مواجهته وسوف يؤدي التغلب عليه إلى سد الفجوة بين الفقر والرفاهية بالنسبة لمئات الملايين أو حتى المليارات من سكان العالم.

لا شك أن القرارات التي نتخذها اليوم سوف تنعكس على المستقبل. ومن ثم يتعين علينا، إذا ما أردنا أن نتغلب على التحديات طويلة الأمد المتعلقة بالطاقة، أن نبدأ في اتخاذ الخطوات الصحيحة اليوم مع الحرص بنفس الدرجة على تجنب أي أخطاء قد تعوقنا عن تحقيق التقدم.

إن الإجراء الذي يشيع اتخاذه بين العديد من الحكومات والمعروف بأنه “الخطوة الصحيحة” هو في واقع الأمر إجراء خاطئ تماما والذي يتمثل في زيادة دعم الطاقة. على الرغم من الفوائد العديدة التي ستعود على البيئة والمالية العامة من إصلاح دعم الوقود الأحفوري (خاصة الفحم)، تشير التقديرات الصادرة عن منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية إلى أن دعم الميزانية والنفقات الضريبية على الوقود الأحفوريفي الدول الأعضاء في المنظمة مثَّل 90 مليار دولار سنوياً خلال الفترة من 2005 وحتى 2011. يستمر استخدام الفحم في الزيادة لا سيما في الدول ذات الاقتصادات الناشئة، وتشير التوقعات إلى أن هذا التوجه سوف يستمر في الزيادة ما لم يتم وضع سياسة جادة واتخاذ إجراءات حاسمة للحد منه. وبصرف النظر عن المنافع الاقتصادية التي تعود على الأسواق الناشئة من استخدام الطاقة الناتجة عن الفحم، يمثل الأثر البيئي الناتج عن استخدام الفحم خاصة ثاني أكسيد الكربون خطورة بالغة تهدد الازدهار الاقتصادي بالنسبة للعدد المتنامي من سكان الدول ذات الاقتصادات الناشئة. ثمة بعض المقترحات للحد من هذا الضرر البيئي الذي يسببه استخدام الفحم ومنها دعم وتعزيز إنشاء مصانع أكثر فعالية وإصلاح المصانع القديمة وتطبيق تكنولوجيا حبس وتخزين الكربون. سوف يساعد ذلك على إنتاج الوقود الأحفوري والغاز الطبيعي بصورة أفضل نسبياً من الناحية الاقتصادية والبيئية.

من التوقعات الأخرى الشائعة أنه سيتم تلبية الطلب المتزايد على الطاقة في المستقبل القريب من خلال مصادر الطاقة المتجددة والتي تسهم حالياً، باستثناء الطاقة الكهرومائية، بنسبة 2% فقطمن الطلب العالمي على الطاقة. بيد أن الإنتاج الحالي للطاقة المتجددة ليس منخفض السعر أو قابل للتطور أو موثوق بما يكفي لاستخدامه بالمعدل الإجمالي المطلوب في المستقبل القريب.

إن طاقة الرياح والطاقة الشمسية كانت وستظل حلول تعتمد بشكل أساسي على مساحات أرضية وتحتاج إلى وقت كبير لبنائها. وتشير تقديرات أستاذ علم البيئة “فاكلاف سميل” أن محطات الطاقة الشمسية تحتاج إلى مساحة تزيد بنسبة تتراوح بين 10 مرات و100 مرة عن إجمالي المساحة التي تحتاجها سلسلة توريد الغاز الطبيعي بأكملها عند عملها بأقصى فعاليتها، ودائماً ما ستصدر عنهانتائج غير ثابتة.

مع مرور الوقت ومن خلال الاستثمارات الملائمة، من الممكن إجراء التحسينات اللازمة على هذه التكنولوجيا. وبما أنه سيتحتم علينا جميعاً الحياة في عالم خالٍ من الوقود الأحفوري في نهاية الأمر، علينا الإعداد بشكل ملائم لهذا الافتراض الحتمي. ومع ذلك، لا يمكن لمصادر الطاقة المتجددة أن تنافس مصادر الوقود المعتادة إلا عندما تكون تكلفة دورة حياة مصادر الطاقة المتجددة، من بناء وصيانة، مساوية لتلك الخاصة بالبدائل المتاحة حالياً، وعندما تزيد درجة موثوقية الطاقة المتجددة نتيجة لاتباع تقنية أفضل لتخزين الطاقة.

من هذا المنطلق نجد أن اعتمادنا الحالي على الوقود الأحفوري سوف يستمر لمدة النصف قرن المقبل، وعلينا أخذ ذلك بعين الاعتبار عند وضع سياسات الطاقة إذا ما أردنا ضمان توفير طاقة آمنة وموثوقة وميسورة التكلفة لسكان العالم الآخذ عددهم في الزيادة.

وجدير بالذكر أن توقعات النفط العالمية مثل تلك الواردة في تقرير “العصر الذهبي للغاز” الصادرعن وكالة الطاقة الدولية سنة 2011 والسيناريوهات الصادرة عن شركة شل، تشير بوضوح إلى أن الغاز الطبيعي سيمثل الوقود الأحفوري المستخدم في المستقبل ومن المتوقع أن يكون الوقود الأسرع نمواً بحيث يفوق الطلب على النفط والفحم. وسوف يتم توجيه الطلب من خلال الزيادة في استخدام الغاز على اعتبار أنه الوقود الأحفوري الأنقى لتوليد الطاقة الكهربائية وكذلك التوسع السريع في القطاع الصناعي (من حيث الإمداد بمادة التغذية وتوليد الطاقة) فضلاً عن ظهور الغاز الطبيعي كمصدر طاقة جديد للناقلات البحرية والبرية الثقيلة.

ولحسن الحظ ثبت أن موارد الغاز الطبيعي العالمية أكثر غزارة من المعتقد سابقاً، حيث يتوفر ما يكفي للإمداد بالغاز لمدة تزيد على 250 عاماً وفقاً لمعدلات الاستهلاك الحالية من الغاز الطبيعي. وتأتي هذه الوفرة في الغاز الطبيعي من مصادر تقليدية وغير تقليدية – 58% و42% من إجمالي الموارد على التوالي- والموزعة جغرافيا في مختلف أنحاء العالم، وتتوفر بكميات تكاد تكون متساوية في أمريكا الشمالية (14%) والشرق الأوسط (17%) ومنطقة آسيا باسيفيك (17%).

وقد أثبت التاريخ أنه ثمة نزعة عامة تجاه تفضيل النمو الاقتصادي ورفع مستوى المعيشة على أي عوامل أخرى. ومن هذا المنطلق، يجب أن تُحدث مصادر الطاقة درجة من التوازن بين الاعتبارات الاقتصادية والبيئية. ويشير سيناريو “جبال” الصادر عن شركة شل حول الطاقة سنة 2060 إلى أن الوقود الأحفوري سوف يمثل 62% من الطلب والذي ينخفض عن المستوى الحالي (والذي يبلغ 80%). وبناء على هذه التنبؤات، من المتوقع أن يشتمل المخطط البياني لمزيج الطاقة خلال 50 عاماً على الفحم بنسبة 25% والغاز الطبيعي بنسبة 24% والنفط بنسبة 13% والطاقة النووية بنسبة 11% ومصادر الطاقة المتجددة والمصادر الأخرى تمثل النسبة المتبقية. ويشير ذلك مع الأسف إلى أن نقص البدائل الاقتصادية يؤدي إلى أن يظل الوقود الرخيص مثل الفحم محتلاً لنسبة كبيرة من مزيج الطاقة.

إذا أردنا أن نشهد مستقبل وحكومات ومجتمعات أقل تلوثاً وأكثر ازدهاراً علينا التركيز على وضع سياسة حول تعزيز مصادر الوقود التي تؤدي إلى إحداث التوازن اللازم بين التكلفة والاستدامة والفعالية والأثر البيئي. ومن هنا نجد أن الغاز الطبيعي هو الوقود الذي أثبت استيفائه لهذه المعايير حالياً ولمدة خمسين عاماً مقبلة.

كما هو منشور على موقع الاقتصادي بتاريخ 24 نوفمبر 2013

اكتب تعليق

لن يتم إظهار عنوان البريد الإلكتروني الخاص بك. يجب تعبئة الخانات التي بجانبها علامة نجمة*

Your email address will not be published. Required fields are marked *