SUSTAINABILITY

الفوائد العملية للاستثمار المسؤول اجتماعياً في عالم الأعمال

يمر العالم العربي بمرحلة من التغيير لم يشهد لها مثيلاً على مر التاريخ. فمع تضاؤل فرص التوظيف للشباب العربي نتيجة للنقص الحاد في الفرص الاقتصادية، وصلت معدلات البطالة بين الشباب إلى 40%. ومما يجعل المشهد أكثر قتامة، التزايد الكبير في أعداد السكان بنسبة 50% عما كان عليه في الستعينيات من القرن الماضي، تبلغ نسبة من هم دون سن الثلاثين منهم 65%، مع توقعات بأن ينمو العدد بالنسبة ذاتها بحلول العام 2030.

وتشير آخر الدراسات إلى أن معظم فرص العمل المتاحة في سوق الدول المتطورة هي الفرص التي تتيحها الشركات المتوسطة والصغيرة الجديدة، والتي يشكل مجموع قيمتها ما يقرب من 70% من قيمة اقتصادات هذه الدول. أما في دولنا النامية، فإن مساهمة هذه الشركات في قيمة اقتصاداتنا لا تتعدى 20%. ومن هنا، يصبح الاستثمار في الشركات الصغيرة والمتوسطة حاجة ملحة، خاصة عندما نعلم بأنه يتوجب علينا خلق ما يزيد عن 120 وظيفة جديدة خلال العشرين سنة المقبلة، ذلك إذا ما أردنا وقف معدلات البطالة عن الارتفاع وتجميدها عند معدلاتها الحالية فحسب. أي أن علينا خلق وظائف أكثر من تلك التي اتحناها في سوق العمل خلال السنوات المائة الماضية.

ولا يخفى على عالم بأن المسؤولية الاجتماعية عملية تتطلب تضافر جهود أصحاب المصلحة كافة، ويجب غرس معاييرها والتعريف بها بدءاً بالمنزل فالمدرسة، والحكومة فمجتمع الأعمال، بحيث نستطيع، ومن خلال الاستثمار المسؤول اجتماعياً، أن نبدأ بمعالجة التحديات الاجتماعية الاقتصادية التي تواجه منطقتنا، وليس ذلك إلا حقيقة ريادة الأعمال الاجتماعية التي لا يمكن أن تتجلى على أرض الواقع إلا بتظافر الجهود الفردية والجماعية.

وقد أثبت نجاح الشراكات بين القطاعين العام والخاص على أنه يمكننا إضفاء تنظيم ومؤسساتية ومنهجية تساهم في تحقيق نجاح عملية نقل المهارات والمعارف إلى جيل الشباب إذا ما مكنا القطاع الخاص من قيادة هذه العملية، وشجعنا القطاع العام على تبنيها.ولا ينقصنا بعد ذلك إلا تبني رؤية ثلاثية الأبعاد للأعمال، نعيد الاعتبار فيها لعاملين لطالما أهملا في سبيل التركيز على الأرباح وهما الناس، والبيئة، لنبني اقتصاداً طويل الأمد ومستداماً.

ويتمثل السؤال الأهم في ماهية ريادة الأعمال الاجتماعية؟ وجوابه ببساطة إنها مبادرات تهدف إلى تشجيع القطاع الخاص، من خلال إبرام شراكات قائمة على الحوافز مع القطاع العام، والمؤسسات العالمية والمؤسسات غير الربحية، على تبني العديد من القضايا التي تواجه مجتمعاتنا المتسارعة الخطى نحو العولمة، واعتماد هذا النهج في تأسيس أعمالنا التجارية.

لقد ولت الأيام التي يقاس بها نجاح الشركات بقدرتها على تحقيق الأرباح إلى غير رجعة. حيث يسعى مجتمع الأعمال العالمي إلى إعادة هيكلة شركاته بحيث لا تغفل الأثر الإيجابي القابل للقياس على المجتمع والبيئة، في سياق سعيها المحموم لتحقيق الأرباح.

ويحتاج ذلك كله إلى ترسيخ ذهنية جديدة، فالذهنية القديمة التي ترى أنه لا يمكن الجمع بين تحقيق الأرباح من جهة وبين المسؤولية الاجتماعية من جهة أخرى لم تعد صالحة البتة. فنحن في عالم يمكن للشركات فيه تحقيق أرباح جيدة والعمل لما فيه مصلحة مجتمعها في الوقت نفسه. فالاستثمار الخير، وهو لب ريادة الأعمال الاجتماعية، يعني أن المشاريع التي تستثمر فيها الشركات الخيرة يمكنها أن تحقق طرفي المعادلة في آن معاً، فهي قادرة على تحقيق الأرباح وقادرة أيضاً، وعبر ذات الآليات، على تحقيق عائد اجتماعي خير. ونشهد اليوم تطور نوع جديد من الشركات تلعب فيها الفوائد الاجتماعية والاستدامة دور المحرك الرئيس في خلق القيمة المضافة التي تساعد الشركة على تحقيق الأرباح.

وبهذا كله، نستطيع ضخ مزيد من الروح في آلة الرأسمالية الفولاذية، وهو ما يطلق عليه اليوم الرأسمالية الخلاقة، حيث تقوم الشركات بإعادة هيكلة أفكارها وقيمها لخلق مزيد من التماهي بين تحقيق مصالحها المالية من جهة، والتزامها بمسؤولياتها تجاه المجتمعات والبيئات التي تنشط فيها.

ويبدو أن الآفاق مفتوحة أمام هذا النوع الجديد من الرأسمالية في عالم الأعمال اليوم. فحسب التقرير الصادر حديثاً عن شركة “مونيتور غروب”، تشير التقديرات إلىنمو أصول الاستثمارات المسؤولة اجتماعياً من 50 مليار دولار حالياً إلى أكثر من 500 مليار دولار خلال العقد القادم .

تأسست في العام 1981، أشوكا: رابطة المبدعين الاجتماعيين، هي منظمة تعمل على تشجيع ريادة الأعمال الاجتماعية العالمية، أطلقها بيل درايتون. ومنذ اطلاقها، تعتبر أشوكا واحدة من كبرى المؤسسات العالمية التي تسعى إلى دفع عجلة التغيير الاجتماعي الايجابي في جميع أنحاء العالم. وتحتضن أشوكا العالم العربي، والتي أُطلقت في العام 2003، العديد من المؤسسات الاجتماعية بدءاً من مؤسسات تمويل المشاريع الصغيرة ومنصات التعليم عبر الانترنت للفقراء، وصولاً إلى مد نظم الصرف الصحي المنخفضة التكاليف في المجتمعات الريفية المكتظة بالسكان، وإيجاد فرص العمل لذوي الاحتياجات الخاصة، والتي تركت أثراً كبيراً في حياة أكثر من عشرة ملايين شخص عبر سبع دول في العالم العربي من خلال نماذج أعمال مستدامة وقابلة للتطوير.

إذاً، ماذا يعني ذلك بالنسبة لمنطقة الخليج؟

يبذل رواد الأعمال في منطقة الخليج جهوداً مضنية لضمان تعزيز الدور الذي تلعبة أسواق المنطقة في دفع عجلة الاقتصاد العالمي، ويجب أن ترتكز رؤيتنا على أساس تبني القيم التي شكلت منذ زمن جزءاً من الوعي الجمعي للجنس البشري، والتي تكفللنا الاستمرار في الحياة، وتصمد أمام اختبارات الزمن، والمتمثلة في: احترام الحياة، وكرامة الإنسان و قيمته؛ والمسؤولية تجاه الأجيال المقبلة؛ وحماية بيئتنا.

إنه الوقت المثالي لأسواقنا المميزة لتتولى مهمة تعميم هذه الثقافة الجديدة في عالم الأعمال العربي من خلال استغلالها لنخبة المواهب المحلية الموجودة، واستعراض المعايير العالمية لأفضل الممارسات، بالإضافة إلى رؤية قيادتنا الرشيدة الهادفة إلى إحداث تغيير إيجابي داخل مجمعات الأعمال في المنطقة.

كما هو منشور على موقع جريدة الخليج بتاريخ 02/06/2013

اكتب تعليق

لن يتم إظهار عنوان البريد الإلكتروني الخاص بك. يجب تعبئة الخانات التي بجانبها علامة نجمة*

Your email address will not be published. Required fields are marked *