Governance

حماية ثقافة العطاء – أهمية الحوكمة بالنسبة لقطاع المؤسسات غير الربحية

وفقاً لمؤشر العطاء العالمي، قام أكثر من 1.3 مليار فرد حول العالم بالتبرع بأموالهم للأعمال الخيرية في عام 2012، وذلك تلبيةً لنداء الواجب الاجتماعي تجاه المجتمع ككل. وكون الزكاة هي العمود الثالث من أعمدة الإسلام، يُفرض بموجبها على المسلم بذل نسبة ثابتة من ممتلكاته بهدف تحقيق رفاهية المجتمع بأكمله. ووفقاً لتقديرات شبكة المعلومات الإقليمية المتكاملة التي أطلقها مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية، يتم إنفاق مبالغ تتراوح بين 400 مليار و1 تريليون دولار كزكاة وصدقات في العالم الإسلامي سنوياً. تشير الرغبة في أداء هذا الواجب والشعور بالمسؤولية لدى الأشخاص من كافة العقائد إلى أن العالم العربي يتمتع بقطاع مزدهر من المؤسسات والمبادرات الخيرية.

تمتاز العديد من هذه المؤسسات غير الربحية بخصائص مماثلة للمؤسسات الرائدة في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا. فيمكن للمؤسسات غير الربحية تعيين عدد كبير من الموظفين، كما أنها تتحمل مسؤولية المبالغ الضخمة من أموال التبرعات المقدمة إليها إلى جانب ثقة المتبرعين بأن هذه الأموال سوف تنفق بنزاهة وبشكل أخلاقي من أجل تحقيق أهدافهم الخيرية. ومع ذلك، فنتيجة لعدم وجود إطار معين لمتطلبات الحوكمة يُلزم المؤسسات غير الربحية والمؤسسات الخيرية في منطقتنا بتقديم تقارير سنوية موثوقة، لا تلتزم العديد من المؤسسات بإعداد تقرير بشكل رسمي وبطريقة مهيكلة، ذلك إن وجد، وبالتالي لا يتم التعبير عن مدى التزامها بالحوكمة الجيدة.

إن الحوكمة القوية من شأنها أن تمكن كافة المؤسسات من الاستجابة بفاعلية وبشكل سريع إلى المخاطر التي قد تنشأ، الأمر الذي يعمل على زيادة قدرتها على تحقيق أهدافها. وتنطبق مبادئ أفضل ممارسات الأعمال على كافة أنواع المؤسسات سواء من شركات القطاعين العام والخاص أو من المؤسسات غير الربحية بما فيها المؤسسات الخيرية.

وبوصفها مؤسسة غير ربحية، تدرك مبادرة بيرل حجم المعوقات والتحديات التي تشملها عملية تسجيل هذا النوع من المؤسسات في دول مجلس التعاون الخليجي. فإلى جانب الحاجة لاستصدار مرسوم ملكي، وهو في حد ذاته خيار غير متاح إلا للقليلين، قد يستغرق التسجيل الرسمي اللازم للاعتراف بمؤسسة غير ربحية في معظم دول مجلس التعاون الخليجي عدة أعوام. ففي دولة الإمارات العربية المتحدة على سبيل المثال، تختص دائرة الشؤون الإسلامية والعمل الخيري بإصدار التراخيص للمؤسسات العاملة في دبي ولكنها قد تستغرق عدة أعوام لإتمام عملية التسجيل. ومن هذا المنطلق، يتعين علينا بحث كيفية إيجاد عملية بسيطة ومهيكلة لتسجيل المؤسسات غير الربحية والمؤسسات الخيرية في دول مجلس التعاون الخليجي.

ومن أجل تحقيق ذلك، يمكننا النظر إلى دول أخرى حول العالم لمعرفة كيفية تسجيل المؤسسات غير الربحية بها: ففي المملكة المتحدة على سبيل المثال، هناك أربع خطوات واضحة لتمكين الجهات المعنية من جمع المعلومات ذات الصلة للتأكد من الفائدة التي ستعود على الجمهور من وجود هذه المؤسسات الخيرية وذلك للكشف عن أهلية المؤسسة المتقدمة بطلب التسجيل، وتستغرق هذه العملية نحو 5 أسابيع. قد تشير سهولة هذا النظام إلى السبب وراء وجود 163,361 مؤسسة خيرية مسجلة في المملكة المتحدة اعتباراً من سبتمبر 2013. ووفقاً لإحصائيات المركز القومي للإحصائيات الخيرية في الولايات المتحدة الأمريكية، ثمة 1,424,918 مؤسسة غير ربحية مسجلة والتي بلغت قيمة أصولها مجتمعة 2.87 تريليون دولار في نهاية عام 2011. وذلك بعكس المؤسسات غير الربحية المسجلة في جميع دول مجلس التعاون الخليجي والتي لا يتجاوز عددها بضع مئات.

إن عدم وجود إجراءات سلسة، في معظم دول منطقة الخليج، لتسجيل المؤسسات غير الربحية بشكل سليم لا يتيح أمام مؤسسيها أي خيار (باستثناء إيقاف نشاطها تماماً) سوى العمل بشكل غير رسمي وبالتالي لا تكون خاضعة لضوابط فعلية. وفي هذه الحالة، يترك للمؤسسين الخيار بشأن ضمان التزامهم بالمبادئ الأخلاقية التي استندوا إليها عند إنشاء مؤسساتهم. ومن أجل تحقيق ذلك، يتعين على المؤسسين السعي وراء تطبيق أدوات الحوكمة الأساسية مثل إعداد التقارير السنوية الواضحة والموثوقة من أجل إدارة أعمالهم بشكل أكثر شفافية وفعالية. وسوف يؤدي ذلك إلى بناء ثقة أكبر بين المؤسسات وبين المتبرعين وفاعلي الخير فضلاً عن زيادة فرصة جذب المزيد من الدعم، الأمر الذي يمكن المؤسسات من النمو وتوسعة نطاق أهدافها.

يجب أن تتسم الحوكمة الجيدة بصفة عامة بالشفافية والانفتاح بحيث تزيد من مستوى الثقة في المؤسسة. وتمتد الحوكمة لتشمل نطاق واسع لا يقتصر فقط على الآليات المعتادة مثل تشكيل مجلس الإدارة وعدد مرات اجتماع اللجنة. لذا، يجب أن يتم ترسيخها في النسيج الأساسي للمؤسسة بكافة جوانبها مثل أفرادها وثقافتها وواجهتها العامة. ومع ذلك، نجد أنه في أغلب الأحيان تنظر المؤسسات لمبادئ الحوكمة الأساسية على أنها مُستنفِذة للوقت وعلى درجة من الصعوبة، لذلك يتم إغفالها في خضم السعي وراء تحقيق أهداف المؤسسة. بيد أن قطاع المؤسسات غير الربحية، كونه مختص بتحقيق الصالح العام، يتحمل مسؤولية أكبر وبالتالي لديه فرصة فريدة لإظهار الحوكمة الجيدة وتطبيق أفضل الممارسات وضرب مثال يحتذى به من قبل المؤسسات الأخرى.

فيما يتعلق بالتأكيد على السمعة الطيبة لقطاع المؤسسات الخيرية، فإن إظهار الالتزام بمبادئ الحوكمة الجيدة لا يقل أهمية عن ممارسة الحوكمة الجيدة نفسها، حيث إنه لا وجود لهذه المؤسسات دون الفوز بثقة داعميها. على سبيل المثال، إن الحوكمة الضعيفة والإخفاق في تحقيق الثقة كانت هي السبب وراء ما نسبته 85% من حالات إغلاق المؤسسات الخيرية من قبل لجنة العمل الخيري في المملكة المتحدة.

وثمة تقدير متزايد في منطقة الخليج لأهمية أن تكون المؤسسات “خاضعة للمساءلة”، وأن المسؤولية الاجتماعية التي تختار ممارستها يجب أن تكون إلزامية وليست اختيارية. ففي المؤسسات غير الربحية، يجب ألا يكون الهدف من المساءلة هو فقط إرضاء الممولين الحاليين من خلال إعداد التقارير، ولكنها تتعلق بتحمل المؤسسة مسؤولية تطبيق ممارسات تمكنها من النمو والتوسع. إن دور الحكومات يتمثل في وضع اللوائح التي علينا جميعا الالتزام بها، ولكن يرجع الأمر إلى المؤسسات في دول مجلس التعاون الخليجي في إحداث أثر اجتماعي وبيئي إيجابي يتجاوز تلك التشريعات، على أن يكون ذلك نابعاً من النماذج التي يضعها قطاع الأعمال والمجتمع المدني.

تشير الأهداف المستندة إلى القيم والخاصة بالمؤسسات غير الربحية والمؤسسات الخيرية إلى أنها ترتكز على مبادئ أخلاقية قوية. لذلك لا تعد الحوكمة الجيدة لدى هذه المؤسسات ميزة إضافية حيث أنها راسخة ضمن عوامل تحقيق نجاحها.

كما هو منشور على موقع جريدة الخليج بتاريخ 08/12/2013

اكتب تعليق

لن يتم إظهار عنوان البريد الإلكتروني الخاص بك. يجب تعبئة الخانات التي بجانبها علامة نجمة*

Your email address will not be published. Required fields are marked *