Governance

علاج متلازمة المؤسس

عاد جاك دورسي، المؤسس المشارك والرئيس السابق في شركة “تويتر”، بصفة رسمية إلى المنصب الرئاسي الشهر الماضي. ارتفعت قيمة أسهم الشركة بنسبة 7%. وفي إطار الاحتفال بالتعيين، قال المدير الذي قاد عملية البحث عن رئيس تنفيذي جديد “بما أنه مؤسس ومبتكر المنتج، فإن جاك يعلم عن تويتر أكثر من أي شخص آخر.”

في عام 2010، وعلى الرغم من معرفته عن “تويتر” أكثر من أي شخص آخر، تم عزل دورسي من منصبه كرئيس تنفيذي للشركة. وقال المؤسس المشارك لمجلة “فانيتي فير” بشأن عزل جاك دورسي: “لم يكن وضع الشركة سيئاً، ولكن كان علينا رفع مستوى خبرتنا وإرساء ركائز لمؤسسة أكبر بكثير.” والآن وبعد حصوله على المزيد من الخبرة ومع إدارته لشركة أخرى، عاد جاك مرة أخرى.

تتكرر هذه القصة كثيراً. ففي ثمانينيات القرن الماضي، تم استبعاد ستيف جوبز من الشركة التي شارك في تأسيسها، وهي شركة “آبل”. إلا أنه عاد بعد ذلك كرئيس تنفيذي للشركة عام 1997 وأشرف على عمليات التحول الأكثر نجاحاً في تاريخ المؤسسات. في عام 2008، عاد الرجل الذي جعل من ستاربكس العلامة التجارية التي نعرفها اليوم، هاورد شولز، إلى منصب الرئيس التنفيذي للشركة بعد غياب ثمانية أعوام. وقد أجرى عدداً من التغييرات الضخمة وأغلق عدداً من المحلات، الأمر الذي أدى إلى زيادة قيمة أسهم الشركة لثلاثة أضعاف منذ عودته. قد لا يكون شولز هو مؤسس علامة ستاربكس ولكنه ابتكر فكرة “المقهى” الذي نربطه دائماً بهذه العلامة التجارية.

تعرض هذه القصص الهالة الفريدة والغامضة التي تحيط بمؤسس أي شركة. فحتى بعد ابتعاده لسنوات، إلا أن عودة الشخص الذي كان موجوداً منذ البداية إلى منصب السلطة من الممكن أن يرفع الروح المعنوية ويعزز التركيز وبالتالي يزيد من ثقة المستثمرين.

في الشرق الأوسط، نشعر بالأمر ذاته نتيجة لثقافتنا المبنية على العلاقات وانتشار الأعمال العائلية. ففي أي صناعة، يساعد وجود شخص معروف وذو تأثير على إضافة القيم الإنسانية مثل الثقة والولاء إلى بيئة تتسم بالمعاملات التجارية البحتة. عادة ما تتوافر هذه الصفات في المؤسس حصرياً وتتلاشى تدريجياً كلما تم الابتعاد عن المصدر الأصلي. في واقع الأمر، أشارت دراسة صادرة مؤخرا عن ماكينزي ومجلس الشركات العائلية الخليجية إلى أنه من المتوقع أن 15% من الأعمال العائلية في دول مجلس التعاون الخليجي التي تجري عملية الانتقال من الجيل الثاني إلى الثالث في المناصب القيادية، سوف تبقي على نجاحها.

ومع ذلك، فإن مشاركة المؤسس قد تكون سلاحاً ذا حدين. فالتاريخ يروي العديد من قصص الشركات التي اعتمدت بصورة مبالغ فيها على الحكمة الغريزية لمؤسسيها ومنع الأفكار الجديدة والإصرار على تطبيق استراتيجيات فاشلة. فبدلاً من أن يسير القبطان إلى وجهة السفينة، يقوم بإغراقها.

تعد هذه المشكلة من المشاكل الشائعة لدرجة أنها أصبحت حالة لها مسمى وهو “متلازمة المؤسس”، ويقصد بها الوضع عندما يحتفظ مؤسس شركة ناشئة أو شركة أو مؤسسة غير ربحية بسلطة مطلقة على القرارات الاستراتيجية. فبدلاً من أن يمثل مصدراً للطاقة والإلهام بالنسبة للموظفين، فإن المؤسس الذي يتمسك بالسلطة يؤدي في نهاية الأمر إلى إعاقة تقدم الشركة أو إلى الأسوأ وهو فشل الشركة. لذلك تشير التقديرات إلى أنه يُطلب من 60% من الشركات الناشئة التي تتلقى تمويل رأسمالي جلب إدارة ذات خبرة يمكنها الارتقاء بالشركة إلى المستوى الأعلى.

بالنسبة للأعمال، يتعين طرح سؤال هام – كيف يمكنك استخدام المعرفة والموثوقية والثقة التي يتمتع بها المؤسس دون التمادي في ذلك والسقوط ضحية لمتلازمة المؤسس؟ سوف تجد مفتاح إيجاد التوازن الصحيح في عمليات الحوكمة الخاصة بالشركة.

أولا، يمكن للأعمال بكافة أحجامها الاستفادة من تنوع الأصوات خلال عملية اتخاذ القرار على مستوى مجلس الإدارة والإدارة التنفيذية. ويشمل ذلك المرأة والشباب الذين يمثلون الشريحة الأكبر في مجتمعنا، إلى جانب أشخاص من خارج الدائرة المقربة للمؤسس. يعد الأشخاص المستعدون لنقد الأفكار والاختلاف معها أشخاصاً قيمين بصفة خاصة وغالبا ما يندر تواجدهم إلى جانب مؤسس متسلط. ثمة قرارات يتعين اتخاذها على أعلى المستويات وغالبا ما ستغلب غريزة المؤسس على الحاضرين، إلا أن ترسيخ الثقة في مختلف العقليات والأفكار يساعد على تحسين جودة تلك القرارت.

ثانيا، يحتاج الرؤساء التنفيذيون المؤسسون إلى بناء فريق تنفيذي يمكنهم الثقة به لاتخاذ قرارات الأعمال اليومية. وإذا لم يتم تمكين أي شخص لاتخاذ تلك القرارات، سيؤدي ذلك إلى تراجع أداء الشركة بصورة متسارعة. إن السياسات الداخلية القوية وعمليات الإدارة السليمة تسمح للإدارة التنفيذية العليا بتأديه مهامها بثقة تحت إشراف من الرئيس التنفيذي المؤسس.

أخيرا، يتيعن على كافة الاعمال، لا سيما الأعمال ذات الهوية المبنية على وجود مؤسس قوي، التفكير دائما في خطط الخلافة. يتعين على المؤسس أن يقود هذه العملية حيث أن الآخرين لن يتبعوا غيره. كونك شخص لا يمكن استبداله بسهولة يعد أمرا جيدا ولكن الأفضل من ذلك أن تعمل بفعالية على تطوير وتنمية المرشحين ذوي المهارة والخبرة التي تمكنهم من تحمل المسؤولية التي ستتركها لهم عندما يحين الوقت.

جميعنا لديه رؤية بشأن الفكرة العظيمة التالية، ولكن نادرا ما نفكر في التحديات التي قد تصحبها لا سيما بالنسبة لمن تتحول أفكارهم إلى أعمال حقيقية.

من هذا المنطلق، عندما تدخل ستاربكس المرة المقبلة، أو تستخدم هاتفك لكتابة تغريدة جديدة على تويتر عليك التفكير في الدور الذي لعبه مؤسسو هذه الشركات في تاريخ كل منها. وتذكر أنه حتى العلامات التجارية المنتشرة في كل مكان حول العالم قد اعتمدت على مبادئ الحوكمة السليمة لإيجاد التوازن بين موثوقية المؤسس وقيمة وجهات النظر الجديدة.

كما هو منشور على موقع الاقتصادي بتاريخ 5 نوفمبر 2015

اكتب تعليق

لن يتم إظهار عنوان البريد الإلكتروني الخاص بك. يجب تعبئة الخانات التي بجانبها علامة نجمة*

Your email address will not be published. Required fields are marked *